محمد بن علي الشوكاني

2592

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

قال الشارح ( 1 ) ويجب على كل واحد من هؤلاء الوضوء لوقت كل صلاة إلا أن لا يخرج منه شيء ، وهو قول الشافعي ، وأصحاب الرأي . واستحب مالك لمن به سلس البول أن يتوضأ لوقت كل صلاة ( 2 ) ، إلا أن يؤذيه البرد ، فأرجو أن لا يكون عليه ضيق . وقال أحمد بن القاسم ( 3 ) سألت أبا عبد الله - يعني أحمد - فقلت : إن هؤلاء يتكلمون بكلام كثير ، ويؤقتون بوقت ، ويقولون : إذا توضأت للصلاة وقد . . . . . . . . . . . . . . . .

--> ( 1 ) المقنع ( 1 / 97 - حاشية ) والحاشية في المقنع منقولة من خط الشيخ سليمان ابن الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله وهي غير منسوبة لأحد ، والظاهر أنه هو الذي جمعها فجزاه الله خيرًا ورحمه . انظر صفحة العنوان « المقنع " . ( 2 ) ذكره ابن قدامة في « المغني » ( 1 / 422 ) . ( 3 ) ذكره ابن قدامة في « المغني » ( 1 / 424 ) . ثم تابع كلامه قائلا : « . . . وذلك لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرها بالوضوء كل صلاة من غير تفضيل ، فالتفضيل يخالف مقتضى الخبر ، ولأن اعتبار هذا يشق ، والعادة في المستحاضة وأصحاب الأعذار أن الخارج يجري وينقطع ، واعتبار مقدار الانقطاع فيما يمكن فعل العبادة فيه يشق وإيجاب الوضوء به حرج لم يرد الشرع به ، ولا سأل عنه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المستحاضة التي استفته ، فيدل ذلك ظاهرًا على عدم اعتباره مع قول الله تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } [ الحج : 78 ] ، ولم ينقل عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولاعن أحد من الصحابة هذا التفصيل ، وقال القاضي وابن عقيل : إن تطهرت المستحاضة حال جريان دمها ثم انقطع قبل دخولها في الصلاة ، ولم يكن لها عادة بانقطاعه ، لم يكن لها الدخول في الصلاة حتى تتوضأ لأنها طهارة عفي عن الحدث فيها لمكان الضرورة . فإذا انقطع الدم زالت الضرورة ، فطهر حكم الحدث كالمتيمم إذا وجد الماء ، وإن دخلت في الصلاة فاتصل الانقطاع زمنًا يمكن الوضوء والصلاة فيه ، فهي باطلة لأننا تبينا بطلان طهارتها بانقطاعه . وإن عاد قبل ذلك فطهارتها صحيحة لأننا تبينا عدم الطهر المبطل للطهارة ، فأشبه ما لو ظن أنه أحدث ، ثم تبين أنه لم يحدث . وفي صحة الصلاة وجهان : أحدهما : يصح ، لأنا تبينا صحة طهارتها ، لبقاء استحاضتها . الثاني : لا يصح لأنها صلت بطهارة لم يكن لها أن تصلي بها فلم تصح ، كما لو تيقن الحدث وشك في الطهارة ، فصلى ، ثم تبين أنه كان متطهرًا . وإن عاودها الدم قبل دخولها في الصلاة لمدة تتسع للطهارة والصلاة بطلت الطهارة وإن كانت لا تتسع لم تبطل . لأننا تبينا عدم الطهر المبطل للطهارة ، فأشبه ما لو ظن أنه أحدث فتبين أنه لم يحدث ، وإن كان انقطاعه في الصلاة ، ففي بطلان الصلاة به وجهان مبنيان على المتيمم يرى الماء في الصلاة وإن عاودها الدم فالحكم فيه على ما مضى في انقطاعه في غير الصلاة ، وإن توضأت في زمن انقطاعة ، ثم عاودها الدم قبل الصلاة أو فيها وكانت مدة انقطاعة تتسع للطهارة والصلاة ، بطلت طهارتها بعود الدم ، لأنها بهذا الانقطاع صارت في حكم الطاهرات ، فصار عود الدم كسبق الحدث ، وإن كان انقطاعًا لا يتسع لذلك ، لم يؤثر عوده ، لأنها مستحاضة ، ولا حكم لهذا الانقطاع وهذا مذهب الشافعي - رحمه الله - وقد ذكرنا من كلام أحمد - رحمه الله - ما يدل على أنه لا عبرة بهذا الانقطاع ، بل متى كانت مستحاضة أو بها عذر من هذه الأعذار فتحرزت وتطهرت ، فطهارتها صحيحة ، وصلاتها بها ماضية ، ما لم يزل عذرها ، وتبرأ من مرضها ، أو يخرج وقت الصلاة ، أو تحدث حدثًا سوى حدثها . وانظر : مزيد تفصيل : « شرح الزركشي على مختصر الخرقي » ( 1 / 437 - 440 ) .